ابن الأثير

130

أسد الغابة ( دار الفكر )

فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة * فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل [ ( 1 ) ] تذكّرنيه الشمس عند طلوعها * وتعرض ذكراه إذا قارب الطّفل [ ( 2 ) ] وإن هبّت الأرواح هيّجن ذكره * فيا طول ما حزني عليه ويا وجل [ ( 3 ) ] سأعمل نصّ العيس [ ( 4 ) ] في الأرض جاهدا * ولا أسأم التّطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتى عليّ منيّتى * وكل امرئ فان وإن غرّه الامل سأوصى به قيسا وعمرا كليهما * وأوصى يزيدا ثم من بعده بل يعنى جبلة بن حارثة ، أخا زيد ، وكان أكبر من زيد ، ويعنى بقوله : يزيد : أخا زيد لأمه ، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل ، ثم إن ناسا من كلب حجّوا فرأوا زيدا ، فعرفهم وعرفوه ، فقال لهم : أبلغوا عنى أهلي هذه الأبيات ، فإنّي أعلم أنهم جزعوا عليّ ، فقال : أحسن إلى قومي وإن كنت نائيا * فإنّي قعيد البيت عند المشاعر فكفّوا من الوجد الّذي قد شجاكم * ولا تعملوا في الأرض نصّ الأباعر فإنّي بحمد اللَّه في خير أسرة * كرام معدّ كابرا بعد كابر فانطلق الكلبيون ، فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه ، وعند من هو ، فخرج حارثة وأخوه كعب ابنا شراحيل لفدائه ، فقدما مكة ، فدخلا على النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ، فقالا : يا ابن عبد المطلب ، يا ابن هاشم ، يا ابن سيّد قومه ، جئناك في ابننا عندك ، فامنن علينا ، وأحسن إلينا في فدائه : فقال : من هو ؟ قالوا : زيد بن حارثة . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فهلا غير ذلك . قالوا : ما هو ؟ قال : ادعوه وخيّروه ، فان اختاركم فهو لكم ، وإن اختارني فو اللَّه ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا . قالا : قد زدتنا على النّصف وأحسنت . فدعاه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : هل تعرف هؤلاء ؟ قال : نعم ، هذا أبى وهذا عمى ، قال : فأنا من قد عرفت ورأيت صحبتي لك ، فاخترنى أو اخترهما . قال : ما أريدهما ، وما أنا بالذي أختار عليك أحدا ، أنت منى مكان الأب والعم . فقالا : ويحك يا زيد ، أتختار العبوديّة على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك ؟ ! قال : نعم ، قد رأيت [ ( 5 ) ] من هذا الرجل شيئا ، ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا ، فلما رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر ، فقال : يا من حضر ، اشهدوا أن زيدا ابني ، يرثني وأرثه ، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا . وروى معمر ، عن الزهري قال : ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة ، قال عبد الرزاق : لم يذكره غير الزهري . قال أبو عمر : وقد روى عن الزهري من وجوه أن أوّل من أسلم خديجة .

--> [ ( 1 ) ] في المطبوعة : علل ، وبجل بمعنى ، حسب . [ ( 2 ) ] طفلت الشمس للغروب : دنت منه ، واسم تلك الساعة : الطفل . [ ( 3 ) ] الأرواح : جمع ريح ، على غير الأصل ، وفي سيرة ابن هشام : وما وجل ، والوجل : الخوف . [ ( 4 ) ] في الأصل والمطبوعة : العيش ، والعيس : الإبل ، وأعمل ناقته : ساقها ، والنص : استخراج أقصى ما ليسها من السير . [ ( 5 ) ] في الأصل والمطبوعة ، ورأيت ، والمثبت عن الاستيعاب : 545 .